-
إيران مهمة جداً بالنسبة للأمريكان، ولم يعد تعاوناً كالذى انكشف فى
فضيحة "إيران جيت" يكفى، لهذا ذهب "أولمرت" إلى الصين لإقناعها
بالتخلى عن مساندة الملف النووى الإيرانى، ذهب بلا عصا ومعه جزرتان:
الأولى عدد من الاتفاقيات الاقتصادية التى توفر للصين مصدراً للسيولة
تحتاج إليه، على الأقل لتنقذ بعض معدميها الذين يقتلهم البرد (فيما
يقتلنا نصف الدفء ونصف الموقف أكثر). والثانية وعد بتحسين الموقف
الأمريكى تجاه ملف كوريا الشمالية النووى، ما يمنح بكين نصراً معنوياً
وسياسياً مهماً، لهذا فإن الصين أميل إلى الاستجابة لأولمرت والتخلى
عن إيران، بالضبط كما تخلت إيران عن أفغانستان ثم عن العراق من قبل،
بل ساعدت الأمريكان على احتلالهما، مغلبة الدوافع الطائفية على
الاستراتيجية، ومطمئنة إلى أنها أشد بأساً من أن تجد نفسها ذات يوم
هدفاً للحصار الأمريكى الذى يتنامى حولها الآن، بل إن "بوش" أرجأ
إعلان استراتيجيته الجديدة في العراق إلى اليوم فى انتظار نتائج مهمة
أولمرت، وفى كل الأحوال ستدور الاستراتيجية حول زيادة عدد القوات، مع
إعادة ترتيب أوراق الصراع الطائفى بحيث يتم إقصاء رجال إيران في
بغداد، أو وضعهم تحت السيطرة.
ولعلكم تلاحظون ـ أو ستلاحظون ـ أن إعدام الرئيس العراقى "صدام حسين"
ـ أو اغتياله العلنى ـ فتح باب الشر وكان إيذاناً بتفعيل الضغط
الأمريكى على طهران، التى أخطأت خطأ جسيماً بتحملها مسؤولية هذه
الجريمة، ولو تخلت عن النظرة الطائفية لاكتشفت كم كان مهماً لها أن
تترك الأمريكان يخوضون فى دمه ـ لو أرادوا ـ ولا تمنحهم فرصة الظهور
بمظهر "المحتل العادل" فى مسرحية حرصت طهران على لعب دور الشرير فيها
على المسرح ووراء الكواليس أيضاً!
وعلى الرغم من القيمة المعنوية الكبيرة لإعدام صدام بالنسبة
للأمريكان، فإن قيمة هذا الإعدام العملية الكبيرة تتمثل فيما بعد
مرحلة بغداد، لهذا حرصوا منذ البداية على صبغ المحاكمة والإعدام بصبغة
طائفية تمكنهم من فتح الصفحة التالية، وقد ساعدهم على هذا "شهوة
الانتقام" المسيطرة على عدد كبير من الشيعة، والصلات الوطيدة التى
وثقتها واشنطن عبر سنوات التآمر الطويلة مع قادة ينتسبون إلى الشيعة
بوصفهم "معارضة عراقية" فضلاً عن حالة الفلتان الأمنى السائدة ـ
بمعرفة الأمريكان ـ فى العراق، ولعلها الأسوأ تاريخياً.
وتنفيذا لمخطط الصبغة الطائفية جاء الأمريكان إلى موقع رئيس وزراء
العراق باثنين من قيادات حزب الدعوة (الشيعى) هما: رئيس الحزب إبراهيم
الجعفرى، ثم نائبه نورى ـ أو جواد ـ المالكى. ووضعوا فى رئاسة
الجمهورية كردياً هو جلال الطالبانى. وفى محكمة الدجيل، كان القاضى
باستمرار كردياً، وممثل الادعاء شيعياً. ومع أن ولاء الطالبانى
للأمريكان لا يقل عن ولاء المالكي، والقانون يشترط أن يصدق رئيس
الجمهورية على أحكام الإعدام، فإن "الطالبانى ـ السنى ـ لم يضع توقيعه
على الحكم، تاركاً الأمر للمالكى، لا لأن الطالبانى "أبى أن يحملها
وأشفق منها"، ولا لأن المالكى "كان ظلوماً جهولا" ولكن لأن الأمريكان
أرادوا للأول ألا يوقع، بقدر ما أرادوا للآخر أن يتحمل المسؤولية،
ليصبح "دم صدام على رؤوس الشيعة ورؤوس أولادهم من بعدهم". ولم يكن
غريباً أنهم وجدوا "هوى عاماً" موافقاً لإرادتهم بين أوساط الشيعة،
وهكذا تشكلت ـ تحت رعاية الأمريكان ـ فرق الموت من بعض المنسوبين إلى
الشيعة، وانطلقت تعمل بهمة عالية ضد السنة العرب، محتقنة بما كان فى
سالف "صدام" وحزب البعث، كأن السنة العرب هم صدام وهم حزب البعث، مع
أن المحتل الأمريكى جاء وكثير من القيادات المنسوبة إلى عرقهم العربى
ومذهبهم السنى فى المنافى والسجون، بل كان بعضهم ينتظر الإعدام.
ولا شك فى أن الرغبة الأمريكية ـ أو قل المصلحة ـ فى تفجير الصراع
الطائفى الشيعى السنى، كانت أحد الأسباب المهمة وراء المبادرة إلى
إعدام صدام، قبل المضي في قضية "الأنفال" المبنية على الاتهام بقتل 50
ألفاً من الأكراد. فالأكراد سنة، والدخول فى تفاصيل ما جرى لهم كان
سيكشف كم تورطت عناصر منسوبة إلى الشيعة ضدهم، بل إن هناك تسريبات
إعلامية عن دور للمخابرات الإيرانية، ومسؤولون سابقون في الإدارة
الأمريكية يؤكدون أن السلاح الكيماوي الذي ضرب به الأكراد لم يكن
موجوداً في الشرق الأوسط كله إلا لدى الإيرانيين، والمؤكد أن المحاكمة
ستكون مجالاً خصباً لإثارة هذا كله، ما يبعثر أوراق الصراع الطائفى
ويصعب مهمة تفجيره في دائرة تضم العرب السنة والشيعة فقط كما تريد
واشنطن. يقولون إن الأمريكان خشوا تفجير أسرار دورهم هم أيضاً فى
الأنفال، كما كتب "روبرت فيسك" عن أسرار الغرب التى دفنت مع صدام، وكل
هذا صحيح، لكنه ليس رئيسياً، لماذا؟ لأنه يتعلق بملف العراق، أسرار
وأخبار ودفوع ودفاعات الغرب كلها تتعلق بملف العراق، وهو ملف فرغ منه
الأمريكان، وضعوا قطاره على القضبان والباقى بالنسبة له كله "تسيير"
بين تقدم وتقهقر، وقوف وإسراع، لهذا فإن قطارات أخرى لم توضع على
القضبان، كالقطارين الإيرانى والسورى، هي المهمة الآن، وفيما أغرقت
طهران نفسها فى ثأرات الماضى فإن الأمريكان يهمهم المستقبل، الذى لا
تحمل قراءته حتى الآن أنباء طيبة، لا لإيران، ولا للعرب، ولا
للمسلمين!
|
|
|
|
|

Comments
Please sign in to comment.