تبرعا، وشربوا كئوسها تطوعا ، والكفاة الذين استحقروا الأقران فلم يَهُلهُم أمر َمُخُوف ، وأنا أعلم أن الحق مرٌ تحملاً وأداءً ولكن الله -عز وجل- أوجب على أهل العلم لتبيننه للناس ولا تكتمونه ، وأمرهم كما قلت أن يصرحوا به ولا يجمجموا ، وجعل عاقبة ذلك رضاه ﴾
-
المفكر الكبير ، وعبد الحميد شتا
( 1 )
حاول المفكر الكبير هشام بهاء الدين أن ينام حتى يكون مستعد ذهنيا للقاء الهام غدا مع وزير الثقافة ، ولكنه لم يستطع النوم ، كانت هناك خواطر كثيرة تدور في رأسه ، حاول أن يطرد تلك الخواطر ولكنها أبت أن تتركه بل ظلت تومض في ذهنه. قام المفكر الكبير وذهب إلى المطبخ وأعد فنجان قهوة ثم اتجه إلى مكتبه ، وقرر أن يكتب مقالة من تلك المقالات التى يرسلها كل أسبوع إلى تلك الجريدة الشهيرة ، بعد حوالي 10 دقائق توقف المفكر الكبير عن الكتابة وشرد بذهنه بعيدا.
****
بعد شهر سأبلغ السبعين.. الملايين يحترموننى ويقرأون كتبى ومقالاتى .. هل أنا حقيقة أفدت هؤلاء الناس أم كنت سببا من أسباب الانهيار الذى حدث لمصر ؟
بعد سنوات قليلة من حكم مبارك تبين لى وللجميع أنه رجل مستبد خصوصا بعد اعتماده كلية على أمن الدولة لتأمين حكمه.. كنت أستطيع أن أكتب وأكشف للناس حقيقة هذا الرئيس المستبد الذى يزور الانتخابات ثم يتبجح ويتحدث عن الديموقراطية.. لماذا لم أفعل ؟
أليست مصر هي بلدى وأهلها هم أهلى ؟
ما الذى حدث لى وجعلنى لم أهتم بمعاناة الناس ؟
ما هذا الحزن الذى يسكن روحى ؟
هل هذا ذنب عبد الحميد شتا ؟
لماذا انتحرت يا عبد الحميد ..... ؟
لماذا تقاطع خط حياتك مع خط حياتى .... ؟
بالتأكيد أنت السبب يا عبد الحميد فى هذا الحزن الذى يسكن روحى.. لا زلت أتذكر عندما جاء ابنى الصغير يحيى ليخبرنى أنه قد انتهى من اختبارات الوظيفة التى أجرتها وزارة الخارجية لاختيار ملحقين جدد وأنه ينتظر النتيجة النهائية.. أثناء حديثى معه أخبرنى عما حدث أثناء فترة الاختبارات وأخبرنى عن صديقه الجديد عبد الحميد شتا ، الشاب الذكىّ المتفوق الذى تعرف عليه أثناء فترة الاختبارات.. بعد شهر على هذا الحوار مع يحيى كنا نحتفل بنجاحه وبتعيينه ملحق فى وزارة الخارجية.. بعد يومين دخل يحيى مكتبى والدموع تنهمر من عينيه ، كان يبكى بحرقة.. سألته عما حدث ، أخبرنى أن عبد الحميد شتا انتحر لأنهم رفضوا تعيينه فى وزارة الخارجية ، قالوا أنه غير لائق اجتماعيا... أصيب يحيى باكتئاب حاد ، وبعد تحسن حالته رفض أن يعمل فى وزارة الخارجية ، وبدأ يعمل مع الحركات المعارضة التى تنادى بسقوط مبارك ومحاكمته ... أخبرنى يحيى أنه سينتقم لعبد الحميد شتا ، ولن يهدأ له بال إلا بتقديم قتلة عبد الحميد شتا إلى المحاكمة ، كان يحيى يؤمن بأن نظام مبارك الفاسد هو السبب فى انتحار عبد الحميد شتا... كثيرا ما سألنى يحيى لماذا لا أنحاز إلى الشعب وأكتب أحث الشعب على الثورة ؟
فى رأى يحيى أن الشعب الآن مهيأ للثورة ، وأن انضمام المفكرين الكبار لصفوف الشعب سيكون سبب فى نجاح الثورة وسقوط نظام مبارك كما حدث فى الثورة الفرنسية....
كنت أقول ليحيى بأن صحتى وهنت ، ولا تسمح لى بالمواجهة مع النظام ولكنه كان يرد بأن المرحوم الدكتور المسيرى واجه النظام رغم مرضه..
أنا الآن أعلم جيدا أن نظام مبارك أصبح ضعيف جدا وسينهار لو خرجت مظاهرة كبيرة تنادى بسقوطه ، المشكلة أن الأمن يمنع أى مظاهرة أن تكبر... لماذا لا أقود مظاهرة كبيرة تنادى بسقوط مبارك ؟
ما الذى سيحدث لى ؟
هل سأموت ... ؟
لو حدث وقتلت سيكون هذا تكفيرا عن سكوتى طوال تلك السنوات.. الموضوع ليس مستحيل .. عيد ميلادى بعد شهر ، رئيس استاد القاهرة صديقى ، ولن يمانع أبدا لو طلبت منه تنظيم حفل تكريم للأدباء الشباب فى استاد القاهرة بمناسبة عيد ميلادى السبعين. لو قمت باعداد حفل فنى متزامن مع حفل تكريم الأدباء سيعنى هذا حضور سبعون ألف شخص إلى استاد القاهرة.. سأدعو الشيخ القرضاوى والقضاة والوزراء ، وستكون المفاجأة للجميع أثناء كلمتى!! سأدعو الحاضرون للخروج وإسقاط مبارك ، سأذكرهم بعبد الحميد شتا ، سأذكرهم بالفقراء والمرضى.... يجب أن أتحرك بسرعة الوقت ضيق .........
( 2 )
عندما اتخذ المفكر الكبير قراره الخطير بالتخطيط للثورة ضد مبارك ، شعر براحة نفسية غريبة لم يشعر بها منذ أن سمع نبأ انتحار الشاب المتفوق عبد الحميد شتا ، وشعر بالقوة تسري في جسده. أخرج المفكر الكبير مفكرة صغيرة من درج مكتبه يحتفظ بها بأرقام التليفونات الهامة جدا ، وبدأ يقرأ أسماء الشخصيات الهامة التي يعرف ، ووقعت عيناه على رقم المستشار محمود الخولي ، كان المفكر الكبير يحترم المستشار محمود الخولي ويقدره ويعلم أنه من القلائل الذين لديهم استعداد للتضحية بأرواحهم في سبيل إنقاذ مصر من حكم مبارك ، اتصل المفكر الكبير بالمستشار محمود الخولي ، فوجيء المستشار محمود الخولي بتلك المكالمة من المفكر الكبير في هذا الوقت المتأخر من الليل خصوصا وأنها المرة الأولى التي يتصل به المفكر الكبير ، اعتذر المفكر الكبير للمستشار الخولي عن هذا الاتصال في هذا الوقت المتأخر ، وأخبره أنه يريد أن يراه غدا ، اتفق الرجلان على اللقاء في الغد في بيت المفكر الكبير ، وفي تمام الساعة الثانية في اليوم التالي كان الرجلان يجلسان في غرفة المكتب في فيلا الكاتب الكبير ، وبعد دقائق كان المستشار الخولي ينظر إلى المفكر الكبير في ذهول ، فهو لم يتخيل أبدا أن يطلب منه المفكر الكبير المساعدة في الثورة ضد مبارك ، بعد أن زالت الدهشة ، قام المستشار الخولي وحضن المفكر الكبير وبدأ الرجلان في التخطيط لأعظم ثورة في تاريخ مصر


Loading...
من أشهر
الروايات السياسية التي ظهرت في أوائل الستينيات .. رواية The Tower
of Bable "برج بابل". هي رواية ممنوعة من مصر، ومن الدول العربية
الأخرى ، ومن إسرائيل وجنوب أفريقيا، وأمريكا وإنجلترا ودول أوربية
أخرى، طبيعي لأنها أغضبت جميع الأطراف .