رحيل الطيب صالح
(1)
|
|
جمال سلطان (المصريون) : بتاريخ 21 - 2 -
2009
|
رحل عن عالمنا قبل أيام الأديب
السوداني الكبير الطيب صالح صاحب رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" وهي
إحدى أشهر الروايات العربية والرواية السودانية الأشهر على الإطلاق ،
وكنت قد قرأت الرواية قبل حوالي عشرين عاما في فورة اهتمام وقتها
بالرواية العربية ، وقرأت معها ثلاثية الروائي الجزائري محمد ديب ،
وأذكر أني قرأت حينها أيضا رواية "الشمندورة" للأديب النوبي الجميل
محمد خليل قاسم ، ولم يعرف قاسم بغيرها كما لم يعرف الطيب صالح بغير
"موسم الهجرة" "وعرس الزين" رغم أنه كتب روايات قليلة أخرى لكنها لم
تحظ بالقبول والشهرة ، وكنت أندهش من شهرة رواية الطيب صالح وضعف
الاهتمام بالشمندورة ، رغم أن الحضور الفني والأسلوب والروح الشفافة
الآسرة كانت حاضرة في رواية قاسم أكثر بكثير من رواية الطيب صالح ،
وكلاهما ينطلق من بقعة جغرافية واحدة تقريبا ونمط اجتماعي وإنساني
واحد ، غير أن رواية قاسم كانت معنية بالبعد الإنساني في محنة النوبة
بعد بناء خزان أسوان ، بينما كانت موسم الهجرة إلى الشمال معنية
بالشرخ النفسي والحضاري في عقلية ونفسية شاب سوداني ذهب للدراسة في
لندن ، كانت رواية الطيب صالح محظوظة بظروف سياسية وفكرية وإنسانية
وقت صدورها أتاحت لها الشهرة رغم أن لغتها الفنية بسيطة للغاية وليس
فيها أي شيء ملفت ، بينما حرمت من ذلك الحظ رواية محمد خليل قاسم ،
موسم الهجرة إلى الشمال رواية فلسفية بالأساس ، أو نستطيع أن نقول
أنها رؤية فلسفية للعلاقة بين الشرق والغرب ورؤية الشرقي الجديد إلى
الغرب ومجتمعه وناسه وتوتراته النفسية تجاهه ، تم إلباسها ثوبا أدبيا
عاديا جدا ، ولذلك كل من توقف عند موسم الهجرة انجذب إلى "الفكرة"
وإلى البعد الفلسفي الكامن خلفها ، وكذلك فعلت الدوائر الغربية التي
اهتمت بالرواية وترجمتها إلى لغات عديدة ، وكان أول تعريف بالرواية ،
وهو الذي حقق لها انطلاق الشهرة ، عبر مجلة "حوار" اللبنانية التي كان
يرأسها توفيق صائغ ، وكانت إحدى المجلات التي تنفق عليها المخابرات
الأمريكية في الستينات لاستيعاب الأفكار القومية ومقاومة انتشار الروح
اليسارية في الأدب والثقافة العربية ، وقد اعترف توفيق صائغ بالأزمة
يومها مؤكدا أنه لم يكن على دراية بأن "الوسيط" هو جسر مع المخابرات
الأمريكية ، وكان الكشف عن هذا الارتباط وفضحه قد حدث بعد أن أعلنت
الاستخبارات الأمريكية تقليص ميزانية الإنفاق على الدعاية في الأوساط
الثقافية والأدبية ، وهو ما قطع المعونات عن مؤسسات وصحف ومجلات أدبية
وثقافية في أوربا وآسيا والشرق الأوسط فتوقفت في حينها مباشرة ، وكان
من بينهم مجلة حوار ، والمثير للدهشة أن مجلة حوار كانت قد اخترقت
نخبة واسعة في العالم العربي آنذاك حتى من أدباء كانوا محسوبين على
التيار القومي ، حتى أن مراسلها في القاهرة كان الناقد والصحفي الراحل
رجاء النقاش وهو بعثي قومي الولاء ، وهو أول من كتب تعريفا برواية
الطيب صالح ونشره في مجلة حوار ، فرصدتها دوائر أوربية واهتمت بالفكرة
والبعد الفلسفي وترجمت الرواية ، ومن يومها وقد طار ذكر الطيب صالح
وبرز نجمه ، ولم يكتب الطيب صالح قبلها ولا بعدها رواية أخرى تترك
بصمة أو تثير الانتباه ، لدرجة أن أحدا لم يفكر في تحويل أعماله إلى
أعمال فنية سوى تجارب هواه في ليبيا والكويت وكلتاهما في ذلك الوقت لم
تعرف خبرات فنية ذات بال .... يتبع
gamal@almesryoon.com
|
|
|
|
|