[ 1 ]
عرفت الدكتور سعيد النجار، الذي توفي في الشهر الماضي (11 أبريل 2004)
منذ أكثر من نصف قرن، فقد كان أول أستاذ يدرّس لي علم الاقتصاد في
كلية الحقوق بجامعة القاهرة، وكان اسمها لا يزال «جامعة فؤاد
الأول».رأيته لأول مرة في أكتوبر 1951، وقد دخل علينا، نحن طلبة السنة
الأولي ليلقي علينا أول محاضرة في مبادئ الاقتصاد. رأينا رجلاً في
مطلع الثلاثينيات من عمره، جميل الطلعة، مشرق الوجه، يشع من عينيه
ذكاء حاد، واثقًا تمام الثقة بنفسه، جريئًا لا يهاب ذلك المدرج الضخم
الذي يزدحم بنحو ألف من الطلاب، كانوا يبعثون الخوف لمجرد ضخامة
عددهم، في قلوب كثيرين من الأساتذة. ثم سمعناه فإذا بنا نجد نفس الثقة
بالنفس وبما يقول، قاطعًا وحاسمًا، واضح النبرة، أفكاره تتسلسل في
منطق أخّاذ، ويعبر عنها بلغة عربية راقية.لابد أننا شعرنا بالدهشة
لاجتماع كل هذه الصفات في شخص واحد، ثم ضاعف من دهشتنا ما وجدنا فيه
من تلقائية وبعد عن التكلف. فأظن أنه الوحيد من بين أساتذتنا الذي
سمعنا ضحكته تتردد من خلال الميكروفون إزاء ما قد يحدث في المدرج مما
يبعث علي الضحك. وكانت الضحكة طبيعية تمامًا تستدر الضحك منا بدورنا،
ثم لا نلبث أن نعود إلي الهدوء التام بمجرد أن نراه يستطرد في محاضرته
ويستكمل منطقه، وكأن شيئًا لم يحدث. كنا نعود فورًا للهدوء التام
والاستماع لسبب بسيط، وهو أننا شعرنا بأنه لم يكن ليتصور منا غير
ذلك.لا أظن أنني طوال سنوات دراستي في كلية الحقوق أو غيرها صادفت
أستاذًا مثله، سواء في سلاسة منطقه وقوة حجته ووضوح عباراته، أو في
جاذبيته الشخصية. لا عجب أن رحنا نشيد به في كل مكان، واستقر في نفسي
اعتقاد يقيني بأنه أحبّ الأساتذة إلي وأنه أعظم الأساتذة طرًّا.كنت في
ذلك الوقت أصغر من أن أدرك مغزي الموقف الأيديولوجي للأستاذ أو
الكاتب، بل لم أكن أفهم معني هذه العبارة أصلاً، ولكني حتي لو كنت
أفهم معناها، فلا أظن أن تلميذًا في السادسة عشرة من عمره كان يمكن أن
يعلق أهمية علي هذا الأمر بالمقارنة بهذه الصفات الرائعة التي ذكرتها
حالاً. وعلي كل حال، فإن «نظرية الثمن» التي كان يدرسها لنا د. سعيد
تحت اسم مبادئ الاقتصاد، لم تكن مما يكشف عن الموقف الأيديولوجي
للأستاذ، فموضوعها بعيد عن قضايا السياسة الاقتصادية، وهي قضايا لم
تكن علي أي حال تشغل الأذهان مثلما كانت تشغلها قضية الجلاء وطرد
القوات الإنجليزية المرابطة علي قناة السويس.بل لابد أن أعترف بأني،
حتي بعد مرور أربع سنوات، عندما جلست مرة أخري في 1955 لتلقي محاضرات
د. سعيد النجار في دبلوم الدراسات العليا، لم أتنبه قط لانحياز د.
سعيد التام لفلسفة الحرية الاقتصادية والنظام الرأسمالي. كانت
محاضراته هذه المرة عن تاريخ الفكر الاقتصادي في موضوع التجارة
الدولية. وقد كان من الممكن أن يكشف د. سعيد في هذه المحاضرات عن هذا
الانحياز، ولكن المحاضرات كانت تتناول بحياد تام موقف الاقتصاديين
المتتالين، واحدًا بعد الآخر، من التجارة الدولية، وتهتم ببيان أوجه
القوة والضعف في منطق هذه النظرية أو تلك أكثر بكثير من اهتمامها
باختلافهم حول السياسة الاقتصادية الواجبة الاتباع. ومن ثم لم يحدث في
هذه الفترة أيضًا ما يعكر صفوي أو يغير من مشاعري نحو أستاذي العظيم
الذي استمر في رأيي أفضل أستاذ وأعظم محاضر.
[ 2 ]مرّ علي هذه
الحقبة من الزمن نحو خمسين عامًا، لم أسمع أو أقرأ خلالها كلمة واحدة
أو محاضرة أو مقالة أو كتابًا للدكتور سعيد النجار، يحيد فيها عن
المبدأ الذي اعتنقه من البداية: نظام الحرية الاقتصادية هو أفضل نظام
لتحقيق الرفاهية والتقدم، والرأسمالية أفضل، اقتصاديا وسياسيا، من
الاشتراكية، وأفضل سياسة اقتصادية هي تلك التي يقل فيها تدخل الدولة
إلي الحد الأدني، اللازم فقط لحفظ النظام وتطبيق القانون، وربما أيضًا
لمنع الاحتكار، ومنع الصور الفاحشة من سوء توزيع الدخل ببعض الضرائب
التصاعدية مثلاً، ولكن دون تأميم بالطبع أو ملكية عامة، ولا بأس من أن
تقوم الدولة بالمرافق العامة التي يتقاعس القطاع الخاص عن القيام بها،
ولكن فيما عدا هذا الحد الأدني من تدخل الدولة فلتترك قوي السوق تعمل
بمطلق الحرية في تحديد الأسعار وتوزيع الاستثمارات، وفي اختيار أسلوب
الإنتاج ومكانه وحجمه، وتحديد حجم العمالة والبطالة، والادخار
والاستثمار، ولتترك التجارة حرة في الداخل والخارج، فلا تفرض إلا أقل
القيود الممكنة علي التجارة الداخلية أو الخارجية، ويترك سوق الصرف
حرًا حتي في أسوأ الظروف فهو، مثل كل شيء آخر، سوف يصحح نفسه بنفسه،
فيعود كل شيء إلي التوازن طبقًا لقوي السوق، والنتيجة النهائية في
صالح الجميع، فآدم سميث لم يخطئ قط عندما قال إن الفرد عندما يمارس
حريته مدفوعًا بمصلحته الشخصية إنما يحقق مصلحة المجتمع في نفس الوقت،
دون أن يخطط لذلك، وكأنه في ذلك مدفوع بيد خفية.لم يحد الدكتور سعيد
النجار عن هذا الاعتقاد قيد أنملة طوال حياته، منذ أن بدأ يدرس
الاقتصاد في منتصف القرن العشرين حتي توفاه الله في مطلع القرن الواحد
والعشرين، يحاضر ويكتب فيه، ويخطب حوله في الندوات والمؤتمرات، ويدعو
إليه في الصحف والاجتماعات الحزبية، وينصح به الحكومة والهيئات
المعنية، ويختار الحزب الذي ينضم إليه بناء علي قرب الحزب أو بعده عن
هذا الاعتقاد، فإذا لم يثبت حزب واحد علي الإخلاص لهذا الاعتقاد
ومناصرته بالدرجة التي ترضي د. سعيد، أسّس جمعيته الخاصة باسم «جمعية
النداء الجديد»، للدعوة إلي هذا المبدأ نفسه ونشره بين الناس.كيف يمكن
أن نفسر هذا الثبات النادر علي المبدأ ورفض الانحراف عنه أو التضحية
به بأي ثمن، إلا بتوفر درجة عالية من النزاهة والاعتزاز بالكرامة
الشخصية؟ إني لا أجد تفسيرًا غير هذا في حالة الدكتور سعيد النجار،
كما أني لم أصادف منه طوال معرفتي به ولا سمعت عنه شيئًا يتعارض مع
هذه النزاهة والاعتزاز بالكرامة. وهي صفة لابد أن تلفت النظر بشدة في
وقت شاع فيه في مصر التحول من مبدأ لغيره مع التحولات التي طرأت علي
سياسة الدولة بين عهد وآخر. فما أكثر الاقتصاديين وأساتذة الجامعات في
مصر الذين تحولوا من الدفاع عن الاقتصاد الحر في الأربعينيات وأوائل
الخمسينيات، إلي الدفاع عن الاشتراكية في أواخر الخمسينيات وطوال
الستينيات، ثم إلي الدفاع من جديد عن الاقتصاد الحر في السبعينيات.
ولكن المدهش في حالة د. سعيد النجار ليس فقط هذا الثبات التام علي
المبدأ وإنما أيضًا حماسه المنقطع النظير ويقينه الذي لا يتخلله أي شك
في صواب الاعتقاد بمبدأ الاقتصاد الحر وترك العنان لقوي السوق.