أما على المستوى العالمي .. فقد تبين لى من قراءات مستفيضة وموثقة
أننا لا نواجه مخاطر زحف الشركات العملاقة فحسب .. فهذه الشركات ليست
إلا الجزء الصغير الظاهر من جبل الثلج الهائل الغاطس تحت مياه المحيط
.. إننا نواجه منظومة أكبر وأشمل هى منظومة التكتلات الإحتكارية ..
فيما يسمونه بـ (الكارتلاّت) التى يقبض أصحابها على ناصية القوى
الثلاثة: المال والإقتصاد والسياسة جميعا .. وقد كانت هذه الحقيقة
ماثلة فى ذهنى عندما وصفت أوباما بأنه فقاعة كبيرة .. وعندما تحدثت عن
كبار السياسيين بأنهم مجرد خيول سباق فى إسطبل أصحاب القوة الحقيقية
.. لقد كنت أعرف منذ بضعة أعوام أن واحدا منهم على الأقل هو هنرى
كيسنجر .. وصفه أحد الكتاب صراحة بأنه واحد من خيول السباق فى حظيرة
روكفلر .. نشأ وترعرع فى كنفه .. وأثبت ولاءه وعبقريته فى مهام أنتدب
إليها فى بعض دول أمريكا اللاتينية .. كلها مؤامرات وتدبير إنقلابات
واغتيالات لرؤساد دول منتخبين .. ثم فُرض على الرئيس نيكسون ليقوم
بمهام دبلماسية أكبر لدى الصين والإتحاد السوفييتي .. وقد نجح فيها
واكتسب عليها شهرةعالمية .. وكان ذلك كله جزءا من خطة لتوسيع مجال
هيمنة قوى الإستغلال للكارتلات العالمية ...
هذه إذن بعض مؤشرات عارضة على نوع الموضوع الذى سنتحدث عنه .. وقد
كانت مادته حاضرة جاهزة أمامى لمدة عام كامل .. ولكننى كنت شديد
التردد فى أن أتطرّق إليه .. لأسباب عديدة منها صعوبة الموضوع وصعوبة
تصديق ما ينطوى عليه من حقائق غير مألوفة.. ولأن معظم أصدقائى لم
يشجعنى على الكتابة فيه .. بينما عدد قليل جدا كان يستحثنى ويسألنى
متى ستبدأ الكتابة فى هذا الموضوع..؟
كنت أقرأ تقريرا حديثا عن الأرباح التى حققتها شركة واحدة من شركات
الأدوية فى عام واحد هى شركة فايزر.. لا لأن الشركة تهمنى ولا حتى
الأدوية .. إنما كان يهمنى أن أرى حجم الأرباح والأموال التى تجمعها
شركة واحدة ضمن مجموعة من الشركات فى تكتل احتكارى واحد تجمع ثروات
هائلة وتزدهر من إستغلال أمراض البشر وتعاستهم .. يقول التقرير: أن
شركة فايزر قد حصّلت من مبيعاتها حول العالم فى عام واحد ثلاثة وخمسين
مليار دولار .. بلغت أرباحها منها أحد عشر مليار دولا ر ... ولكن
النقطة الأهم هنا فى التقرير هى قول صاحبته (مارسيا آنجل).. و هى
باحثة وخبيرة فى مجال صناعة الأدوية : " كنت أظن فى الأيام الخالية أن
شركات الأدوية تُعنى فى أبحاثها بتطوير أدويتها لخدمة الإنسانية ..
ولكنى إكتشفت أنها معنية فقط بتحقيق مزيد من الأرباح .. ولا تضيف
إليها إضافات ذات قيمة .. وإنما تنفق أكثر على برامج تسويق القديم تحت
أسماء جديدة .. وتضع عليه أغلفة جذابة .." ثم تتابع فتؤكد ماهو أخطر
.. حيث تقول : "كانت الشركات فى الماضى تروّج أدوية لمعالجة الأمراض
.. أما اليوم فإنها تروّج لأمراض تناسب أدويتها القديمة .. " وأضيف
غير مبالغٍ: أن شركات الأدوية لا تأبه بنشر الأمراض فى العالم لتوسيع
رقعة أسواقها ولتحقيق مزيد من المبيعات ومزيد من الأرباح .. وتستصدر
من الحكومات قوانين وتشريعات لتحريم العلاجات البديلة والأدوية
البديلة .. وتجريم أصحابها والمروّجين لها .. وتصِمُهم بأنهم مشعوذون
ونصّابون .. بينما هى فى الحقيقة علاجات ثبت أنها أكثر فاعلية وأرخص
ثمنا ومحصّنة من الأضرار الجانبية المهلكة التى تلحقها الأدوية
الكيميائية بالجسم البشري والعقل البشري .. ومن أبرز وأشهر الحملات
الأمريكية فى هذا المجال حمْلتها الأمنية والإعلامية على إستخدام
فيتامين( بى17) أو( لاترايل .. وهى مادة نباتية موجودة فى الطبيعة
بوفرة) .. نعمة من نعم الله على مخلوقاته .. فى علاج مرض السرطان
والسيطرة عليه وعلى آلامه .. حتى فى الحالات المتأخرة من المرض .. فقد
طُورد أطباء هذا العلاج الرخيص الثمن فى أمريكا .. واضطهدوا وحُكم
عليهم بالسجن .. وسُحبت منهم رخص العمل .. لحرمانهم من ممارسة مهنة
الطب والعلاج .. واستخدم الإعلام المأجور لتلفيق التهم إليهم وتلويث
سمعتهم بالأكاذيب والإفتراءات.. حتى اضطر بعضهم إلى الهجرة إلى
المكسيك لممارسة مهنتهم الطبية فى علاج السرطان .. وأصبحت المكسيك
مركزا عالميا لعلاج السرطان بأدوية بديلة غير علاجات البتر والحرق
والتسميم .. وأنا أقصد: الجراحة والأشعة والكيماوي.. أو مثلث الشر
الذى تريد شركات الأدوية الأمريكية .. تثبيت البشرية عليه إلى الأبد
.. لأنه علاج باهظ التكاليف وهى تحصد منه بلايين الدولارات .. خصوصا
مع تزايد عدد ضحايا المرض وانتشاره المروّع فى العالم كله .. وهى
ظاهرة تستحق التأمل والدراسة خصوصا فى مصر .. ذلك لأننى أعتقد أن وراء
تفشّى هذا المرض وأمراض أخرى فى مصر له أبعاد سياسية ومصالح إقتصادية
عميقة الغور .. بل وراءه أيضا أيديولوجية ضد إنسانية وخطيرة على حياة
البشر ...
لقد أعلن الرئيس نيكسون فى الستينات من القرن العشرين أنه بسبيل شن
حملة عالمية كبرى للقضاء على السرطان .. وخصص مئات الملايين من
الدولارات للبحث العلمى .. وطنطنت له أجهزة الإعلام .. لا فى أمريكا
فحسب بل فى كل الدنيا .. ولقد مرت السنون .. أكثر من أربعين عاما الآن
.. ولم تتقدم الأبحاث فى علاج السرطان قيد أنملة .. ولم يظهر علاج
واحد جديد ينافس مثلّث الشر الذى أشرت إليه ..!!
نعم .. سوف تجد هنا وهناك بعض أبحاث حرة بعيدة عن مراكز الأبحاث
الكثيرة الهائلة التى تسيطر عليها كارتلّة الصناعات الدوائية .. ولكن
سرعان ماتندثر هذه الأبحاث فلا تجد لها أثرا بعد إعلان نتائجها
الأولية .. فشركات الصناعات الدوائية لها بالمرصاد .. بوسائلها
المالية والعلمية والحكومية المسخرة فى خدمتها .. تقمعها فى المهد
بالمحاصرة والإجراءات القانونية وشبه القانونية .. أو تشتري براءة
الإختراع من أصحابها بسخاء .. ثم تضعها فى ظلمات خزائنها فلا ترى
النور إلى يوم القيامة .. ولا يزال هناك من الباحثين والمخترعين فى
هذا المجال على درجة عالية من السذاجة أوحسن الظن .. يعتقدون أن هذه
الشركات ما دامت قد أظهرت إهتمامها بالإختراع ومستعدة لدفع مبالغ
كبيرة لشرائه فلابد أنها ستقوم بتصنيعه وتسويقه .. لأن صناعة الدواء
[فى وهْمهم] خدمة إنسانية كبرى تتنافس شركات الأدوية فيه .. هم لم
يفهموا أن حكاية المنافسة هذه ليست إلا وهما فى خيالهم ..ليس لها أى
وجود بين شركات الأدوية ولا فى عالم الشركات العالمية كلها بلا
إستثناء .. فكل هذه الشركات تعمل ضمن منظومات او تكتّلات إحتكارية
كونية نسميها إبتداء من الآن لتسهيل التناول [ كارتّلات] .. يتحكم
فيها حفنة من البشر أو عدد محدود من الأسر تتوارثها جيل بعد جيل
...
تقول: ولكن هذا عالم الرأسمالية .. والرأسمالية ترتكز على ركيزتين
أساسيتين : المنافسة وحرية السوق أو الحرية التجارية .. وجوابى ببساطة
هو: أن هذا مجرد كلام كتب .. يتعلّمه أبناؤنا فى جامعاتهم .. ثم يأتون
من هناك مبهورين باكتشافاتهم العبقرية التى حصّلوا فيها درجات
الدكتوراة.. ونسلّمهم نحن فرحين بإنجازاتهم العلمية .. وتفوّقهم فى
عالم الإقتصاد وزارات المال والإقتصاد والتنمية .. وبدلا من أن يحسنوا
إدارتها نراهم فقط يتشدّقون بالكلام .. ويزعمون لنا أنهم يملكون
الحلول لكل مشاكلنا .. فإذا بهم فى مجال التطبيق العملى يبدّدون المال
العام ويخربون الإقتصاد ويدخلون التنمية فى متاهات نظرية .. ويتحولون
إلى كائنات عاجزة حتى عن توفير رغيف نظيف من الخبز يحصل عليه المواطن
محدود الدخل بكرامة وبسعر فى حدود قدرته ووسعه .. هذا المنتج الأمريكي
من اصحاب الدرجات العلمية .. أصحاب المراكز الحاكمة فى بلآدنا هم
الذين يتنافسون على خصخصة ممتلكات الأمة لتباع للأجنبيّ بأبخس الأثمان
.. وهم الذين يروجون لشعارات العولمة وحرية التجارة .. وهذا هو دورهم
الحقيقى (علموا أو جهلوا) لتسهيل مهمة الشركات العملاقة فى اختراق
إقتصادنا والسطو على ممتلكات الأمة وثرواتها وإرادتها .. وهم فى كل
حال لا يكفّون عن فلسفة تجاربهم الفاشلة الخرقاء.. والثرثرة حول برامج
الإصلاح المالي والإقتصادي التى لا بد أن تؤتى أُكلها فى يوم قريب ..
ثم لا يأتى هذا اليوم أبدا ...!! .
أظن أننى قد أثرت قضايا مختلفة قد تبدو بغير رابط لمن ينظر إليها لأول
وهلة .. ولكنها فى منظور المدقق تنتمى بعضها إلى بعض برباط وثيق سوف
تكشف عنه المقالات اللاحقة .. أما فى الوقت الراهن فهناك نقطتان أود
أن أوضح موقفى منهما لمنع الإلتباس:
النقطة الأولى تتعلق بالرئيس الأمريكى أوباما: حقيقة الأمر أننى شديد
التعاطف مع هذا الرجل فهو بلا شك إنسان مثقف .. كما أننى شديد الإشفاق
على مستقبله .. وهو موضوع أمام مهمة صعبة بالغة التعقيد .. فهو مطلوب
منه أن يحسّن الصورة الأمريكية البشعة التى ترسّخت فى عقول الناس
خصوصا عند العرب والمسلمين خلال إدارة بوش الحمقاء .. وقد نجح الرجل
فى تقديم خطاب أُُُحسن تدبيجه وكتابته .. وأضْـفََت عليه شخصية الرجل
(الكاريزمية) قدرا كبيرا من مشاعر الصدق .. واستطاع بذلك أن يدخل قلوب
الكثيرين من العرب والمسلمين .. كل هذا يدخل فى مجال عالم العواطف
والوجدانات .. وهو نجاح لا يستطيع أحد أن يمارى فيه .. مقارنة بكل
الرؤساء الأمريكيين الذين جاءوا قبله منذ وعيتُ السياسة .. من عهد
أيزنهاور حتى الآن .. وسوف يكتب الناس أنهارا من المقالات فى تحليل
كلام أوباما .. ويختلفون فى تأويلها وتقويمها.. وعلي ماورد فى خطبته
من وعود وإشارات سوف يتخاصمون اويتصالحون .. وليس لى فى هذا المجال
شأن ولا اهتمام ...
أشير فقط إلى مسألة تهمنى من الموضوع كله .. وهى القضية الفلسطينية ..
قضية العرب والمسلمين المحورية .. وأقول إنه حتى على مستوى الكلام
العاطفي لم تتحرك القضية قيد أنملة.. فهى باقية على حالها لم تتحرك
ولن تتحرك ...! وكل الشواهد تدل على أنه حتى على أحسن الأحوال ..
وقًَبِـِلَ نتنياهو ووزيره ليبرمان بشيئ تحت الضغوط الأمريكية، فسوف
نرى إستئناف مسلسل المفاوضات العبثية مع عباس والعباسيين .. إلى أمد
معلوم .. ثم تنتهى أو لاتنتهى إلى شيئ يذكر.. إن المساحة الزمنية
والتاريخية التى يشغلها العرب [ وأقصد على وجه التحديد قياداتهم
السياسية] مساحة مفرّغة من الوقت الحقيقي ومن القيمة .. فلم يعد الوقت
عندهم يحسب بالإنجاز .. ولا الإنجاز مقدّر عندهم بقيمة ولا بمقياس ..
ولا حتى هناك تصور لأبعاده .. ومن ثم لا إعتبار للزمن عندهم .. يعنى
من الممكن أن تمتد هذه المفاوضات العبثية إلى يوم القيامة (تحت شعار
استمرار عملية السلام ..!) بدون نتيجة .. حتى يضيع ما تبقى من فلسطين
وينقرض الشعب وتُشطب القضية .. دون أن يشعر أحد بأنه يضيّع الوقت.. أو
أنه لم يحقق شيئا .. وهذا هو ما يفهمه الكيان الصهيوني الأمريكي عنهم
.. ويعمل على تعزيزه واستمراره .. وتقوم أمريكا بدعم الأنظمة القائمة
وتكريس توريثها بانتخابات مزورة أو بدونها لا يهم .. طالما أنها تؤدى
وظيفتها فى خدمة المخططات الأمريكية الإسرائيلية فى
المنطقة...!!
كذلك فإن خطاب أوباما يأتى فى إطار محاولة إستدعاء فائض عوائد البترول
العربي والإسلامي لتتحمل جزءا من الجهد الأمريكي فى إصلاح الأزمة
الإقتصادية الأمريكية .. وهي فى التحليل النهائي عملية [شفط الثروة من
هنا لتستقر فى منظومة المال الأمريكية] ومرة أخرى هى منظومة تملكها
الشركات الإحتكارية الأمريكية .. فإذا كان السؤال لا يزال مطروحا: هل
ينجح أباما أو لا ينجح ؟؟ وأقول: أنا لم أغيّر رأيي فيه رغم الخطاب
العبقري، و رغم كل شيئ .. هذا الرجل المسكين لا يملك شيئا من أمر نفسه
.. إنه فقاعة كبيرة .. وإن غدا لناظره قريب ..!
ظن سلفه بوش الصغير فى لحظة من لحظات غيبة الوعي أنه قادر على كل شيئ
.. ربما بسبب خمرة السلطان ونفاق البطانة وغلمان الصحافة والإعلام ..
ظن أنه عندما يأمر فلابد أن يطاع أمره .. ففى خطاب له بمناسبة إقتحام
الجيش الإسرائيلي معسكر اللاجئين فى جنين بالضفة الغربية وما ارتكبه
من مجازر بين المدنيين، وبعد أن ضج العالم لفداحة المجزرة .. قال بوش
حرفيا فى خطاب له متلفز: " أقول ان على القوات الإسرائيلية أن تنسحب
من الموقع .." ثم اومأ براسه واشار بإصبعه ليرسم حالة من التهديد
الجاد وأتم خطابه بهذه العبارة التاريخية : " وانا عندما أقول ذلك
فإننى أعنى ما أقول...!!" إبتسمت فى مرارة لأننى رأيت رجلا غبيا
متلبّسا بحالة عقلية أشبه ماتكون بحالة دون كيشوت الفارس الهزلى الذى
خرج يصارع طواحين الهواء كما صورها الروائي الأسباني المبدع سرفانتس
.. أتصور أن السفاح شارون كان يراقب الخطاب ويقهقه سخرية من صاحبه بوش
.. فشارون يعلم أكثر منه أين تكمن قوة السلطة الحقيقية فى أمريكا
...
ألم أقل لك إن هؤلاء القادة الكبار الذين تراهم يتحركون فى الساحة
ليسوا أكثر من خيول سباق فى حظيرة ما .. يطلقهم مالك الحظيرة واحدا
بعد الآخر .. كل حسب دوره المرسوم .. فى وقته المعلوم .. ثم يستغنى
عنهم بعد ذلك أو يستخدمهم فى أغراض أخرى .. وإذا تمرد أحدهم أو ظهرت
عليه أعراض التمرد أو حتى الإستياء، فإنه يُسحب من حلبة السباق على
الفور كما حدث لنيكسون .. وقد رأينا فى تاريخ أمريكا رؤساء يتم
اغتيالهم بتدبير شديد الإحكام .. منذ إبراهام لنكولن حتى الان .. لم
نعرف ولم يعرف العالم من قتلهم .. وما حوكم أحد من قتلتهم الحقيقيين..