فكرة الدراما والإخراج المسرحي في السياسة أمر وارد بقوة ، فالسياسيون
يبدون لنا كممثلين علي المسرح بقصد التأثير فينا نحن المشاهدين لكي
نقتنع بقراراتهم وأفعالهم ، وكنت قرأت وتابعت كجزء من تخصصي حديث
مصنفات الحركات الاجتماعية عن تحويل الفعل الاجتماعي لتلك الحركات إلي
نوع من الدراما التي تؤثر في المشاهدين للاقتناع بفعل تلك الحركات
والتأثر بها ، ولذا وجدنا الحركات الاجتماعية تعمد إلي اللقطة
الدرامية في مواجهة الشرطة لتنتقل إلي الشاشة فتحدث تأثيرها في
المشاهدين ، فالعالم اليوم هو صورة وتأثير وقرار للانتقال ليكون
المشاهد جزءا من الفعل المقاوم أو الدراما الإنسانية لحدوث التغيير
.
أكتب هذا وأنا أري الدراما والفعل المسرحي ماثلا وبقوة في حديث أمريكا
عن انتهاء العلميات القتالية في العراق وتوجيه أوباما كلمة عبر
الفيديو إلي الجنود المنسحبين باعتبار أنهم جعلوا أمريكا أكثر أمنا ،
ويتهيأ الرجل لكي يبث كلمة من مكتبه البيضاوي في نهاية الشهر الجاري
إلي الجنود البواسل علي حد تعبيره وقوله .
هنا ما يفعله رئيس أكبر دولة في العالم ليس حقيقيا بل هو نوع من
المسرحة للفعل السياسي لكي يكون مقبولا ، فآلاف الجنود الأمريكيين(
4400 ) الذين قتلوا في العدوان علي العراق لم يحققوا الأمن لأمريكا
التي لا تزال تواجه مخاطر أكبر من تلك التي مسرحتها أيضا لتبرير
احتلالها للعراق .
هناك الكواليس التي يجري فيها التجهيز للظهور علي المسرح بشكل تسويقي
، كنت قرأت كتابا عن تسويق الرئيس في أمريكا بالطبع ، وفي هذه
الكواليس تجري أعمال قذرة كشف موقع ويكيليكس عن بعضها ، ومن بين ما
يجري في الكواليس دفع وكالة المخابرات المركزية لأموال للمسئولين في
الإدارة الأفغانية وذلك لأن الرئيس كرزاي لا يقول كل ما عنده لأمريكا
، كما أن أجهزة مخابرات أخري تدفع لهؤلاء المسئولين لحد أن صحيفة
الواشنطن بوست الأمريكية كشفت عن أن هناك صندوقا داخل القصر الرئاسي
الأفغاني يتولاه مسئولا رفيعا مهمته توزيع ما بين 10-50 مليون دولار
سنويا تأتي بصفة أساسية من إيران وأجهزة مخابرات أخري لشراء ذمم
المسئولين الأفغان ولاختراق المؤسسة الرئاسية والأمنية الأفغانية
لتحقيق مطامع وأهداف تلك الدول .
هنا عندنا في مصر هناك مسرحة للسياسة أيضا ، لكنها مسرحة من طرف واحد
يبدو فيها الفاعل السياسي متصرفا بدون محاولة لإخراج يقنع الجمهور ،
فالسياسة فيها ممثلين بدون جمهور يشاهد ويتفاعل بدليل أننا لا نعرف
حتي اليوم وضع مصر المستقبلي فيما يتصل بانتقال السلطة إلا من مصادر
أجنبية غالبها أمريكي ومنها أن الرئيس رتب انتقال السلطة وأبلغ
الأمريكان بذلك بينما نحن لا نعرف عن ذلك شيئا ، وحتي اليوم فنحن لا
نعرف من هو مرشح الحزب الحاكم وهو حزب الأغلبية هل هو الرئيس أم ابنه
؟ ولدينا قوي تتحرك وتتحدث باسم ابن الرئيس بقدر من البجاحة وصلت لحد
أنه يمكنه أن ينافس الرئيس نفسه في الانتخابات القادمة .
هنا مسرحة السياسة لا تحاول إقناع الجمهور أو الشعب وإنما تتحدث وتفنع
أطرافا أخري تراها مؤثرة في توجيه الفعل السياسي وغالبا ما تكون هذه
القوي خارجية .
كما أن أغلب ما يجري من السياسة لدينا هو من نوع ما يجهز في الكواليس
ومن وراء الستر والحجب حيث ينتشر الغموض وعدم اليقين ، ونتساءل كثيرا
من هي تلك القوي الخفية التي تحرك الأشياء كما تظهر أمامنا في الصحف
وفي الحياة العامة ، لحد أن البعض تحدث عن تنظيم طليعي ذات طابع سري
موجود لا يمكننا الإمساك به علي غرار ما كان عليه الأمر في عهد الدولة
الناصرية .
فنحن لا نعرف من هو الذي يمنع زراعة القمح في مصر بحيث نستقل بقوتنا
عن الخارج ؟ ونحن لا نعرف من هو المسئول عن سرقة لوحة الخشخاش والتي
تزيد قيمتها الاسمية عن 50 مليون دولار ؟ ونحن لا نعرف من هو المسئول
عن اختفاء السيدات المتحولات إلي الإسلام وآخرهم كاميليا شحاته ثم
الفتاة مادلين عصام كامل ، كما لا نعرف من يحرك المظاهرات القبطية
كلما اختفت سيدة أو فتاة مسيحية ؟ ولا نعرف من يمنع الأزهر من القيام
بدوره في حماية المتحولات للإسلام ؟
|
|
|
|
|
|