مع مرور سنوات عديدة من العمل في ميدان استطلاعات الرأي،
تزداد كلمة "الأغلبية" تقديسا في الذهن، واستخداما في التقارير! فنزين
بها نتائجنا وكأنها هي المنتصر في الدراسة، حتى لو كانت "أغلبية
بسيطة"، فضلا عن الأغلبية الساحقة.
في الجذور الفلسفية لاستطلاعات الرأي، ثمة حكمة في رأي
السواد الأعظم من الناس، وهو التحدي الذي ما زال أمام المستطلعين أن
يقيسوا هذه الآراء بدقة واحترافية وحيادية.
في مسيرة الاستطلاعات، أسهم بعض هؤلاء المتحمسين
والممارسين في إفساد هذه الأداة العلمية علينا حين جعلوها حكما على كل
شيء، وبالغوا في أسئلتهم عن كل شيء، والأسوأ أن منهم من اعتبرها هي
الحق في كل شيء.. مثل تلك الاستطلاعات التي ما زالت تسأل الأمريكي ابن
العشرين عاما عن رأيه بأن إلقاء القنبلتين على هيروشيما وناغازاكي قد
أنقذ حياة الأمريكيين قبل ستين عاما!
هؤلاء بمبالغتهم هذه جعلوا الكثير من الاستطلاعات هزأة
وسخرية بما يريدون أو بما يمكن تفضي إليه من تشكيل نمط جماهيري
Populist — Style للقرارات والسياسيات، فكيف لك أن تساوي في كل
المواضيع لتسأل عنها عامة الناس؟ إلا من باب الترف الاستطلاعي والنشر
فقط.
في المقابل، فإن من وعى هذه الفكرة أدرك أن ليس كل شيء
يصلح لطلب رأي الناس، والأهم من ذلك ليس رأي أغلب الناس هو الحق
دائما؛ فرأي الناس في اللون المفضل للسيارة أهم وأدق من رأيهم في
تفاصيل نوعية ماكينات السيارات، والتي لا يعرفها إلا المتخصصون. وهذا
ما يوصي به خبراء استطلاعات الرأي في ضوابط التعامل معها؛ حتى لا تحمل
نتائج الاستطلاعات أكثر من طاقتها، وتأخذ أكبر من حجمها.
وإذا اتفقنا على أن هذا الموضوع يصلح لأن يسأل عنه، فإن
مجموع الآراء من المتخصصين وأهل الثقة أولى وأدق من آراء ممن هب ودب
من عامة الناس، ومن هذا المنبع ظهرت تطبيقات استطلاعات النخب أو قادة
الرأي.
لا تختلف كثيرا فكرة انتخاب ممثلين عن الشعب في الأنظمة
الديمقراطية في الفكر والممارسة عن تلك في استطلاعات الرأي، وتزيد
عليها بأن حكم الأغلبية هو الحل المنقذ في مسائل الخلاف، والمرجع في
إدارة الحكم.
الإشكالية التي بالغ فيها بعض المستطلعين تبقى أقل خطورة
من تلك التي يعاني منها المتحمسون للانتخابات والبرلمانات، حين جعلوا
لأغلبيتهم القداسة والمرجع للتشريعات والفصل في كل الأمور.
وفي بلادنا، يتم ذلك من قبل ممثلين ونواب وصل بعضهم إلى
بيع ضميره وذاته لسلطة سياسية وغيرها، أو تسلق من خلال شراء ضمائر و
أصوات الآخرين.
بغض النظر عن جوانب أخرى مبررة تؤسس لرفض العملية
الانتخابية في الرؤية الإسلامية أو ضبطها، إلا أني لا أعتقد أن
مشكلتنا ينبغي أن تكون مع الأداة بقدر ما هي في التطبيق الأعوج ـ
أحيانا ـ في تقديمها على النص الديني الرباني قطعي الدلالة والثبوت،
وجعلها هي الملاذ والحكم والقول الفصل في التحليل والتحريم ما دامت
الأغلبية البشرية صوتت لصالحها .... مثل: التصويت على منع (تحريم)
الخمر في مجلس النواب؟
العجب أن الكثير ممن يرفضون الاحتكام إلى النص الديني بحجج خوفهم من تعدد تفسيره أو (طغيانه)، تجدهم ـ في ممارسات الحكم ـ خانعين و مبررين لحكم الفرد البشري الضعيف بمزاجه المتقلب، واعتباره الرأي الملهم والمقدس، وأهم من كل نواب البرلمانات! وفي الممارسة الغربية خانعين للدساتير المقدسة التي وضعتها عقولهم البشرية المتغيرة. ففي كلتا الحالتين هم عبيد للفرد أو للأغلبية، وإن طغت، ويرفضون الاحتكام لمن خلق فردهم و أقليتهم وأغلبيتهم، وهو اللطيف الخبير.


Loading...