تُظهر التطورات والإرهاصات التي تعيشها الساحة العربية
والإسلامية، الكثير من نقاط الضعف والقوة لدينا، دون أن نعمل على
معالجتها، للتقليل من سلبيات نقاط الضعف وزيادة نقاط
القوّة.
طبيعة رؤية الناس للأحدث والأمور، على سبيل المثال، تلعب
دورا كبيرا في تحديد موقفهم إزاء مسألة معينة أو موضوع
بذاته.
ولما كان الرأي أو الموقف في مثل هذه الحالات، يعتمد على
توفر المعلومات اللازمة إزاء حدث معين، ومن ثم العمل على معالجتها
وتحليلها للتوصل إلى نتيجة تدفع هذا الشخص إلى أن يكون مؤيدا لهذه
الجهة أو تلك، أو رافضا لهذا الاقتراح أو ذاك، متخذا هذا الموقف أو
ذاك, فإن المصيبة عندنا كبرى!!
عدد لا بأس به من الناس ـ بغض النظر عن مستواهم العلمي
أو أعمارهم أو انتماءاتهم ومشاربهم- لا تتوفر لديه أي معلومات عن حدث
معين، ولا يتوفر على آلية للتحليل والمعالجة، وبالتالي المفروض أن
يكون مترددا حيال اتخاذ موقف من هذا الحدث المعيّن، ومع ذلك نراه
يتصرف بطريقة غريبة عجيبة تظهره بموقف حازم قاطع لا يتزحزح عنه تغيّر
الحدث أم لم يتغير, تغيّرت المعطيات أم لم تتغيّر, تغيّر المكان
والزمان أم لم يتغيّر، والسبب في ذلك بسيط جدا, إنه العواطف
والأهواء.
* إذا لم تكن مع إيران فأنت مع أمريكا!!
عادة ما تتيح المواقع الالكترونية حيزا معقولا للقارئ
تسمح له فيه بالتفاعل مع الحدث والكاتب, والهدف بطبيعة الحال إثراء
النقاش حول مسالة معيّنة وتدريب القارئ الذي تعوّد على القمع والكبت
في عالمنا العربي على إبداء رأيه بحريّة معقولة, لكن هل تدرك فئة من
القراء، الهدف من إنشاء هذه المساحة؟!
لا, فقد تحولت هذه المواقع إلى مكان، يقوم القارئ فيه
بتفريغ شحنة من الشتائم واللعان والسباب موجهة إلى صاحب المقال، وبدلا
من أن يطرح وجهة نظره المخالفة أو يقوم مثلا بمناقشة فكرة المقال أو
طبيعته أو ما ورد فيه, يترك كل هذا و يتوجه إلى صاحب المقال. طبعا هذا
دليل ضعف وقلّة حيلة وفقر ثقافي واختلال نفسي, والمشكلة الأكبر أن نفس
هذا القارئ تراه يكيل للكاتب المديح والثناء مما ليس له فيه، عندما
يجد أن المقال يتوافق معه, وهو نفسه يقوم باستخدام راجمة الشتائم
والاتهامات عندما لا يناسبه المقال!!
إذا أردت الكتابة عن إيران لانتقادها أو تسليط الضوء على
جزء صغير من ألاعيبها، فلا بد أن تفرد ثلاثة أرباع المقال للحديث عن
أمريكا والأنظمة العربية, وتبدأ باللعن والسباب والشتيمة بما يتناسب
مع معايير فحص الدم، للتثبّت من صدق النوايا, بعدها يمكنك أن تكتب عن
إيران بما لا يزيد عن بضعة أسطر بشرط أن لا تتعرّض لها، فهي حامية
الحمى!
ضمن هذه الشروط الموضوعية, يمكن للقارئ حينها, النظر إلى
المقال بشيء من الجدية, وإلا فإذا لم يتم الالتزام بهذه المقدمات,
فأنت إما أن تكون عميلا لأمريكا أو مأجورا للأنظمة, أو ربما تكون
متطرفا جاهلا أو مفرّطا تافها.
لا تستطيع أن تكون مستقلا, يجب أن تكون إما مع إيران
وإما مع أمريكا, طبعا هذا مجرد نموذج, والأمثلة تتعدد، فإما مع
إسرائيل وإما مع حزب الله، وإما مع القاعدة أو الأنظمة، وإما مع هذه
الجهة أو تلك!! أنت لست حرّا، ولا يحق لك أن تكون ضدّ الاثنين معا على
سبيل المثال, ولا يحق لك أيضا أن توجه ملاحظات لأي طرف حتى لو كنت معه
أو ضدّه.
والأعجب من ذلك, أن القارئ يهمل كل ما في المقال من
معطيات، ويقوم بشحذ قلمه، وهو الذي لا يفقه بالسياسة حتى لا أقول
"بشيء آخر"، ويتحول إلى حاكم يمارس عليك نفس ما تمارسه الأنظمة عليه
من تخلّف, ولا يمكنه أن يعرض رأيه بطريقه موضوعية أو علمية, بل
التهجّم عليك شرط أساس في التعبير عن رأيه.
هذا النوع من القرّاء لا يمكنه أن يدرج مقالك ضمن وجهة
النظر الخاصّة أو التحليل والاجتهاد الشخصي على سبيل المثال, أو
استشراف ما لا يراه هو وعدد آخر من القراء والكتاب. المقال إن لم
يتضمن حديثا عن جميع أعداء الأمة قبل الحديث عن إيران، فلا يمكنه أن
يكون موضوعيا أو جديا، مهما اجتهدت لتدعيمه بحقائق ووقائع وأدلة على
توجه إيران السلبي, وذلك بكل بساطة لأن هذا النوع من القرّاء لا يعتمد
على استخدام عقله, ولا على البراهين المنطقية والحقائق والوقائع، بقدر
ما يعتمد على أهوائه وعاطفته.
* المشكلة في الأهواء والعواطف الزائدة:
إن الاعتماد على العاطفة إلى هذه الدرجة يشكل عاملا
خطيرا في تحديد مستقبلنا, لا نعني بذلك أن نستبدلها بالعقل، بحيث
نتجرّد من الأولى ونغرق في الثاني، وإنما المطلوب تحقيق تكامل بين
العقل والعاطفة, فتعمل العاطفة على موازنة العقل، ويعمل العقل على كبح
جماح العاطفة وما ينتج عنها من ارتجالية وعشوائية.
إن وجود فئة وشريحة واسعة من أصحاب العاطفة الجياشة ،
سواء كانوا كتابا أو قراء أو غير ذلك، من ضحايا التلاعب والسقوط
والفشل, يجعل من الصعب على أي عقلاني أن يعرض حججه مهما كانت قوية
وصحيحة في مواجهة هؤلاء, فهو الساقط والفاشل وهم الناجحون!!
ست سنوات والتحذير من المشاريع الإيرانية -المتزامنة مع
المخططات الأمريكية- المستهدفة للمنطقة جار على قدم وساق, والرد من
هذه الفئة من القرّاء، يكون بالشتائم والسباب والاتهامات.... وفجأة!!
عدد كبير من الأصدقاء والقراء يتصلون ويبعثون رسائل "نعم لقد كنت على
حق, الآن عرفنا حقيقة إيران ومشروعها"!!
وما زادتني هذه الرسائل إلا تعجبا, فكان ردي "كيف عرفتم
الآن؟ ولماذا؟". أجاب أكثرهم أن شريط إعدام صدّام، فضح إيران وعملاءها
وطائفيتها.
ست سنوات لم تجد آذانا صاغية, ودقيقتان ـ هما مدة شريط
الإعدام - تحدثان تحولا ضخما.
هل هذا عامل إيجابي أو سلبي برأيكم؟ صحيح أن للصورة كما
يقول الصينيون تأثيرا كبيرا يساوي قيمة ألف كلمة, لكن المشكلة ليست
هنا. الإشكال أن التجاوب الذي ارتكز حصرا على الشريط يدل على عوامل
سلبية لدى الرأي العام العربي من ناحية اعتماده العاطفة بدلا من
المنطق والعقل. فالذي يأخذ موقفه بناء على معطيات عاطفية, يكون من
السهل التلاعب به في أي وقت. وقد تجده هو نفسه يقوم بتغيير موقفه عدّة
مرات.
إن إهمال هذه الفئة من الناس الاعتماد على المحاججات
العقلانية والمنطقية والبراهين الواقعية عن المشروع الإيراني الموجه
ضد المنطقة طيلة هذه الفترة, واعتمادهم فقط على شريط ، رغم أهميته
الكبرى ومدلولاته، أمر لا يبشر بخير، إن بقي مستوى تفكيرنا على هذا
النطاق.
طبيعة هذا التحرك، ليست إيجابية على الإطلاق, وهي مؤشر خطير على حالة الرأي العام العربي العشوائية والارتجالية.


Loading...