زيارة القذافي
لفرنسا
|
|
جمال سلطان : بتاريخ 9 - 12 -
2007
|
كنت مندهشا وأنا أرى العقيد
القذافي "يملي" رغباته على الحكومة الفرنسية كشرط لزيارته الميمونة
إلى باريس والتي من المقرر أن تبدأ اليوم الاثنين ، كان الرجل يأمر
وينهى وكأنه مبعوث العناية الإلهية إلى فرنسا ، وأن البلاد في شوق
كبير لزيارته ، أو أنه لو قرر أن يلغي زيارته لفرنسا فإن الفرنسيين
سيصابون بالاكتئاب حتما لهذه الخسارة ، وبحاستي المؤامراتية المشروعة
عربيا قلت في نفسي : الحكاية فيها يورو ! ، بمعنى أن هناك اتفاقات
ووعودا من الرئيس الليبي للجانب الفرنسي بضخ عدة مليارات من اليورو في
الاقتصاد الفرنسي تحت أي بند ، لأنهم في العالم العربي لا يحتاورن
كثيرا في البحث عن بنود لمثل هذه المكرمات التي يمنحونها للدول
الغربية المكافحة ، كما أنه لا يوجد أصلا أي جهات رقابية في العالم
العربي يمكنها أن تحاسب القائد الملهم ، ومن فكر في ذلك ، مجرد تفكير
، فمصيره إلى أقبية السجون ، وربما إلى أعواد المشانق حيث يركل
بالأقدام وهو معلق كما كان يحدث في ليبيا بوصفه "من الكلاب الضالة" ،
القذافي كان يحدد للفرنسيين الطريقة التي سيقيم بها في باريس ، واشترط
أن يتم نصب خيمة بدوية خاصة به في حديقة قصر الإليزيه وعدة مطالب أخرى
عنوانها "الدلال السياسي" ، وإن كان عاجبكم ، وبالفعل في اليومين
الماضيين كشفت الصحافة الفرنسية عن "المكرمة" الليبية لفرنسا ، والتي
تتمثل في صفقات سلاح وإنشاء مفاعل نووي وصفقة طائرات مدنية أخرى وفتح
الطريق أمام شركات فرنسية للحصول على مكاسب نفطية وإنشاء مطارات وغير
ذلك ، والحسبة قد تصل إلى أكثر من عشرة مليارات يورو ، لو تم ضخها في
الاقتصاد الليبي لاختفت طوابير الخبز والدجاج من شوارع الدولة النفطية
التي كانت ثرية ولتنفس الليبيون الصعداء من حال الضنك والمعاناة وعذاب
القوت اليومي الذي ابتلوا به خلال السنوات العشر الماضية ، والأمر
المؤكد أن هذه الأمول لن تنفق لصالح الشعب الليبي المغلوب على أمره ،
وإنما ستنفق لصالح تطبيع علاقات النظام الليبي المتوترة مع العالم
الغربي والترتيب للقبول بعمليات التوريث المرتقبة ، والغريب أن بداية
هذا التطبيع كان بتفكيك المفاعل النووي الليبي وتسليمه مباشرة إلى
الأمريكيين ، كعربون توبة ، في نفس الأسبوع الذي ظهر فيه الرئيس
العراقي السابق صدام حسين مكبلا أمام شاشات التليفزيون ، وهو المشهد
الذي أصاب زعماء الصوت العالي بالهلع فرفعوا أيديهم والكل وجهه للحيط
، ثم جاءت خطوة جديدة بعد تفكيك وتسليم المفاعل النووي هدية
للأمريكيين ، بدعوة الفرنسيين إلى تركيب مفاعل نووي جديد ، وأغلب الظن
أنه سيتم تفكيكه وتسليمه للأمريكيين من جديد أيضا بعد عدة سنوات ، ثم
إن ترسانة السلاح التي تشتريها ليبيا من فرنسا من غير المعروف إلى أي
صدور ستتوجه ، لأن ليبيا طوال تاريخها الحديث لم تتعرض لأي مخاطر من
دول الجوار ، فجوارها هم مصر وتونس والجزائر ثم موريتانيا وتشاد
والسودان ، فهذا السلاح يا ترى من أجل أي من هذه الأطراف ، معظم
السلاح الليبي كان يتم إرساله إلى قبائل متحاربة في تشاد أو غربي
السودان وأحيانا جنوبه ، غير أن مواجع تلك الصفقة لا تنسينا وحشية
السلوك الغربي وانتهازية فرنسية عريقة ، وشراكة استراتيجية كاملة في
فساد وإفساد العالم الثالث وزعاماته ، وكل دولار تم نهبه وتهريبه من
بلادنا إلى الشمال ابحث دائما عن "شريك" الشمال الذي حرض وسهل وقبض ،
ويرحم الله شاعر العراق بدر شاكر السياب الذي قال : من جوع صغارك يا
وطني .. أشبعت الغرب وغربانه ! .
gamal@almesryoon.com
|
|
|
|
|